العدد !! – 5 يناير 2026
العدد !!
الوعي بالعدد خاصة إنسانية، ولست أشك في أنه المؤسس والمحرك لأهم مظاهر التحضر الذي صنعه البشر عبر أزمانهم المتعاقبة .
أكاد أتخيل أسلافي القدماء وقد احتموا من “افعال الطبيعة المتجاوزة لقدرتهم، بالكهوف، أنهم تأملوا تكوين الكهف، فأسعفتهم قدرتهم على التأمل، بالإحصاء، فتجلت لهم صورة الكهف في عدد من الحوائط/الجوانب، الأركان التي لجأوا إلى الاحتماء بها، فكان “تجريد” الحجرة في عدد محدود من الأركان وراء بناء المنازل التي ارتقت، أو تطورت إلى (المنزل) أو الدار، التي تشكلت من أركان/غرف ، تناسب تطور احتياجات الإنسان لحماية حياته، ومقتنياته الخاصة، التي (ادعى) ملكيتها، من ثم ترسخت علاقة الإنسان بالمكان، فكانت الدار، ثم … (الدور) التي اتسعت وتماسكت على نسق يضم الطرفين : الشعور بالإنفراد (الخصوصية) والشعور بالأمن (التجمع) الذي امتد فأصبح العشيرة، والوطن ..
وبالمثل : تنوعت الأنشطة حسب الحاجات، والأحوال، فتأصلت الجماعة في توازن رائع، بين (الانفراد) و (التعدد) أو بين التنوع والتكامل. ويمكن أن نلاحظ ازدياد التنوع (الخصوصية) مع ارتقاء الجماعات البشرية في اتجاه بحثها عن الأرقى، والأنقى، وتوفير الجهد (البدني) لتحقيق الغايات والحاجات المتصاعدة في اتجاه تحقيق الجميل، فالأجمل … إلخ .
ليس مستغرباً أن أول ما نغري الطفل بترديده، ليتعلم الكلام، أن نردد أمامه : واحد .. اثنين .. ثلاثة .. في هذه البداية (الساذجة) المتداولة دون تعليم .. يتجلى جوهر بناء الوعي .. وإرادة التقدم .