تداعيات الألم.. 12 ديسمبر 2016

تداعيات الألم.. 12 ديسمبر 2016

تداعيات الألم..
تتجاذب قطعان الأحزان فتلغي السنوات والطبائع والمناسبات لتلتحم في كتلة ظلامية أليمة.. !!
من مقتنيات الذاكرة ما قرأته في صدر رواية “لمن تدق الأجراس” وقد صدرت في بيروت منذ أكثر من ستين عاماً حين فاز كاتبها “همنجواي” بجائزة نوبل فقرأنا له: رواية العجوز والبحر، ورواية: لمن تدق الأجراس، وقد تصدرتها هذه الأسطر الشعرية للشاعر “جون دون” وفيها يقول:
إذا انتقص البحر قطعة من أوروبا فإنه ينتقص العالم أجمع
وإذا مات أي شخص في العالم فإن جزءاً مني يموت فيه
فلا تسل لمن تدق الأجراس
إنها تدق لك
***
أستعيد هذا المقطع الشعري المفعم بالإنسانية والشعور بوحدة العالم ووحدة البشرية، وأنا أنوء بثقل فجائع الأيام القليلة الفائتة وعلى رأسها فاجعة مصرع المصلين والمصليات بالكنيسة البطرسية. أشعر بفداحة الجريمة التي تحدت كل سياق يعطي أملاً في إنسانية من قاموا بها أو عقلهم، فضلاً عن دينهم.
وأشعر بخجل ثقيل الوطأة تجاه أصدقائي من أقباط مصر القريبين من وجداني وشركائي في مشاعري عبر مواقف وشدائد مختلفة. كانت النار التي تصهر الحديد وتطهره..
الشاعرة المبدعة مريم توفيق ابنة هذه الوطن الصافي في أبهى تجلياته، والأستاذ الدكتور وائل غالي شكري العالم والفيلسوف والفنان ابن الناقد والصديق العزيز المرحوم غالي شكري، والأستاذ الدكتور ناجي فوزي علامة السينما المصرية والخبير بأسرار فنها، والأستاذ العالم وصفي وديع الصديق الفيومي العريق، والدكتور منتصر ثابت تاضروس رئيس ثقافة الفيوم، وغيرهم ممن لا تستحضرهم الذاكرة الآن.. لهم في القلب مكان ومكانة، وفي الضمير مساحة من الود والألفة والرأي المشترك في حب مصر.
لقد حاولت أن أتجنب التعليق على ما جرى بالكنيسة البطرسية لجلالة المصاب وحجم الأحزان المتلاطمة في القلب، ولكني لم أجد مفراً من مواجهة اللحظة، ومشاركة هؤلاء الأحباب أساهم وأوجاعهم تجاه شركاءهم في العقيدة، وهذا حقهم ولا تثريب عليهم أن يكونوا أكثر حزناً وألماً.. ورحمة الله واسعة تحتضن الجميع، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولكنه – بحكمته سبحانه – جعل من الاختلاف ما يحمل إمكانيات التكامل ويفتح الطريق لتفجير طاقات إنسانية خلاقة يزداد بها عالم الإنسان بهاءً وجمالاً.. !!
أما التدمير والقتل فلن يكونا أبداً مما سبق إليه شرع الله، وإنما هو شرع الطغاة، ونحلة الإجرام والمجرمين عبر عصور التاريخ.
لنتذكر – في ختام هذه الجرة الحزينة على ربابة الآلام – خلاصة رواية “لمن تدق الأجراس” .. فقد استمر لهيب الصراع الأهلي بين فرقاء الشعب الأسباني إلى أن انتهت هذه الحرب بسيطرة الجنرال فرانكو الذي أعاد ترتيب البيت (قصراً) وأقر النظام إلى أن هدأت النفوس، وأنسيت الثارات وحدة الأيديولوجيات، ومن ثم تمكن من إعادة أمور الوطن الأسباني إلى ما كانت عليه.
في هذا بلاغ وحكمة
فتأمل
ورحم الله شهداء مصر في الكنيسة البطرسية، وكافة شهداء الجنون الأيديولوجي أينما كانت مواقعهم أو اختلفت عقائدهم فالدين لله ومصر وطن الجميع.

اترك تعليقاً