حين يكلم نفسه !! – 28 أكتوبر 2025

حين يكلم نفسه !! – 28 أكتوبر 2025

حين يكلم نفسه !!
يميل التوجه العام إلى وصف من يكلم نفسه بالجنون، أو البلاهة، ولهذا سند من الصواب، فالكلام يتشكل من متكلم – إلى مستمع، ولكن هذا “المستمع” قد يكون مفترضاً أو متخيلاً، من ثم كانت “الكتابة” بمثابة البديل لهذا المستمع الغائب . فالكاتب لا يوجه ما يكتب إلى الفراغ، أو المطلق، وإنما يوجه كتابته إلى متلق (مستمع) مفترض . قد يسجل هذا في عنوان المكتوب، كأن يكتب في صدر كلمته : إلى جيل الشباب ، أو: إلى من يهمه الأمر، وما إلى ذلك من عبارات تحاول أن تستقطب القارئ أو المتلقي (المفترض) الذي يعنيه المكتوب، كما يتصوره الكاتب، وهذا التصور ماثل حتى في تأليف الكتب والدراسات، بما يعني أنه ليس من كتابة تهدف إلى المطلق، أو إلى غير قارئ . وهذا الجانب الأساسي في الكلام ( أو الكتابة) هو الذي يحدد: الموضوع، وطريقة طرحه، ومدى تقبله لاستخدام المصطلحات الخاصة، فضلاً عن المحتوى بوجه عام . ويتأكد هذا المبدأ (حتمية التوجه بالكلام إلى مستمع) أن كاتب المقال يحرص على تجنب ذكر المصطلحات العلمية، لأنه يضع في حسبانه أنه يتوجه بما يكتب إلى قارئ غير محدد الهوية، يعرف الكاتب (المتكلم) حدود ثقافته، وفي حوارات المبدعين من اصحاب الوعي ما يؤكد أنهم – عادة – لا يتوجهون بكتاباتهم إلى (المطلق) . إنه يتوجه إلى الشباب، أو النساء، أو أهل السلطان، أو رجال الدين .. إلخ . والناقد، حين يعرض لتحليل الخطاب، فإن من مهامه أن يكتشف حدود هذا الخطاب، وإلى من يتوجه، وهذا التحديد أساس في تصور الضرورة، أو الصواب، أو القصور، في مكونات هذا الخطاب ذاته . وهذا الشرط في المحاولة النقدية، أو التحليلية، مترتب على الشرط الأساسي لدى المتكلم، وهو التوجه إلى سامع (متلق) محدد، حقيقي، أو مفترض !!
حتى العبارة الشائعة :”كلام في الهواء” لا تعني افتراض انعدام المستمع، بقدر ما تعني أنه واسع الانتشار !!

اترك تعليقاً